عثمان بن جني ( ابن جني )
269
الخصائص
باب في مراتب الأشياء وتنزيلها تقديرا وحكما ، لا زمانا ووقتا هذا الموضع كثير الإيهام لأكثر من يسمعه ، لا حقيقة تحته . وذلك كقولنا : الأصل في قام قوم ، وفي باع بيع ، وفي طال طول ، وفي خاف ، ونام ، وهاب خوف ، ونوم ، وهيب ، وفي شدّ شدد ، وفي استقام استقوم ، وفي يستعين يستعون ، وفي يستعدّ يستعدد . فهذا يوهم أن هذه الألفاظ وما كان نحوها - مما يدّعى أن له أصلا يخالف ظاهر لفظه - قد كان مرّة يقال ؛ حتى إنهم كانوا يقولون في موضع قام زيد : قوم زيد ، وكذلك نوم جعفر ، وطول محمد ، وشدد أخوك يده ، واستعدد الأمير لعدوّه ؛ وليس الأمر كذلك ، بل بضدّه . وذلك أنه لم يكن قطّ مع اللفظ به إلا على ما تراه وتسمعه . وإنما معنى قولنا : إنه كان أصله كذا : أنه لو جاء مجىء الصحيح ولم يعلل لوجب أن يكون مجيئه ( على ما ذكرنا ) . فأمّا أن يكون استعمل وقتا من الزمان كذلك ، ثم انصرف عنه فيما بعد إلى هذا اللفظ فخطأ لا يعتقده أحد من أهل النظر . ويدلّ على أن ذلك عند العرب معتقد كما أنه عندنا مراد معتقد إخراجها بعض ذلك مع الضرورة ، على الحدّ الذي نتصوّره نحن فيه . وذلك قوله : صددت فأطولت الصدود وقلّما * وصال على طول الصدود يدوم " 1 " هذا يدلّك على أن أصل أقام أقوم ، وهو الذي نومئ نحن إليه ونتخيّله ، فربّ حرف يخرج هكذا منبهة على أصل بابه ، ولعلّه إنما أخرج على أصله فتجشّم ذلك فيه لما يعقب من الدلالة على أوّليّة أحوال أمثاله . وكذلك قوله :
--> ( 1 ) البيت للمرار الفقعسي في ديوانه ص 480 ، الأزهية ص 91 ، وخزانة الأدب 10 / 226 ، 227 ، 229 ، خزانة الأدب 1 / 145 ، ولسان العرب ( طول ) ، ( قلل ) وهمع الهوامع 2 / 83 ، 224 .